ابن العربي

926

أحكام القرآن

المسألة الثانية - قوله تعالى : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ : كلّ قول أحد إنما هو بفيه ، ولكن الحكمة فيه أنه قول باطل لا يتجاوز الفم ، وهو الموضع الذي تحرّك به ؛ لأنه لا يعلم باضطرار ، ولا يقوم عليه برهان ، فيقف حيث وجد ، ولا يتعداه بحدّ ، بخلاف الأقوال الصحيحة ، فإنها تنتظم وتطّرد ، وتعضدها الأدلة ، وتقوم عليها البراهين ، وتنتشر بالحق ، وتظهر بالبيان والصدق . المسألة الثالثة - قوله : يُضاهِؤُنَ : يعنى يشابهون . ومنه قول العرب : امرأة ضهياء للتي لا تحيض ، والتي لا ثدي لها ، كأنها أشبهت الرجال . المسألة الرابعة - قوله : قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ : فيه ثلاثة تأويلات : الأول - قول عبدة الأوثان : اللات ، والعزّى ، ومناة الثالثة الأخرى . الثاني - قول الكفرة : الملائكة بنات اللّه . الثالث - قول أسلافهم ، فقلّدوهم في الباطل ، واتّبعوهم في الكفر ، كما أخبر تعالى عنهم بقوله « 1 » : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ، وفي هذا ذمّ الاتباع في الباطل . الآية الخامسة عشرة - قوله تعالى « 2 » : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - الحبر : هو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه « 3 » ، ومنه ثوب محبّر ، أي جمع الزينة . ويقال بكسر الحاء وفتحها ، وقد غلط فيه بعض الناس ، فقال : إنما سمى به لحمل الحبر وهو المداد والكتابة . والراهب هو من الراهبة : الذي حمله خوف اللّه على أن يخلص إليه النية دون الناس ، ويجعل زمامه له ، وعمله معه ، وأنسه به .

--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية 22 . ( 2 ) الآية الواحدة والثلاثون . ( 3 ) في م : وينقيه ، وفي القرطبي : ويتقنه بحسن البيان عنه .